شكيب أرسلان
77
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
لذة الماء والخضرة في البلاد الحارة غيرها في البلاد الباردة ترى مما تقدّم أنّ مطرة واحدة في الحجاز تحيي وتميت ، وليس الأمر كذلك في سائر البلاد ، التي تهطل فيها الأمطار فتعمّ ، وإن لم يصب هذه القطعة عارض ممطر هذه المّرة أصابها مرّة أخرى . نعم إن الودق في الحجاز - وفي جميع البلاد الحارة - أشدّ منه في البلاد الضاربة إلى الشمال ، وإنّ مزنة واحدة في الآحايين ، لا تستمرّ أكثر من نصف ساعة ، فتسيل لها أودية بقدرها ، تجرف وتجحف ، وقد تذهب بالحيطان « 1 » والبيوت ، وقد تغتال القوافل والسوابل إذا جاءتهم على غرّة . ولكنّ طغيان المياه هذا لا يستمرّ إلا ريثما ترفع النقطة ، فعند ذلك تنظر في الأرض ، فإذا هي قد بلعت ماءها ، وعاد ما كنت تراه نهرا هدّارا قد نضب ماؤه ، وصحت سماؤه ، وكأنّه لم يمرّ من هناك ماء ، ولم تمطر سماء . وفي مدينة الطائف واد شهير مذكور في الكتب يقال له : وجّ ، إذا سال هذا الوادي شبعت الطائف وكلّ ما جاورها خيرات وأقواتا ، ومع هذا لا يسيل في السنة كلّها إلا مرّة أو مرتين ، وكلّ مرة ساعة أو ساعتين . فمن أجل هذا كان الماء في الحجاز أثمن وأغلا منه في سائر
--> ( 1 ) [ البساتين ] .